المقريزي

232

إمتاع الأسماع

وقد [ انتفى ] ( 1 ) فيبقى ملزومه . وقد اعترض الملاحدة على هذا بوجهين . أحدهما : منع الملازمة ، قالوا : لا نسلم أنه لو كان من عند غير الله لاختلف [ فيه ] ( 1 ) ، لأن كثيرا من الناس تكلموا فلم يختلف كلامهم لتحرزهم عن المتناقض فيما يقولونه ، فجاز أن يكون محمد [ كذلك ] ( 1 ) أنشأ القرآن وتحرز من اختلافه ، ولا جرم [ جاء متسقا ] ( 1 ) غير مختلف . الثاني : منع انتفاء اللازم ، قالوا : لا نسلم أن الاختلاف لم يقع فيه ، بل فيه اختلاف كثير قد قرره الطاعنون . والجواب عن الأول : أن مراد الكفار يعني الله في قولهم : القرآن من عند غير الله هو محمد ، ومن أملى عليه القرآن كرحمان اليمامة ونحوه فيما زعموا ، وهذان الرجلان كانا أميين ، لا أنسة لهما بالكتب ، ولا بدراسة الحكمة ، وخلو كلام مثلهما عن الاختلاف . وإن لم يكن محالا لذاته فهو محال في العادة أن أميا يأتي بمثل هذه المعاني المفحمة ، في مثل هذه الألفاظ الجزلة ، والجمل الكثيرة ، ولا يقع الاختلاف في كلامه ، وقل في العالم متكلم لم يستند إلى تأييد إلهي تكلم فلم تختلف كلامه ، فلما رأينا هذا الكلام على قرب تناوله ، وبعد مغزاة وكثرته في نفسه غير مختلف ، استدللنا بحكم العادة على أنه ليس من عند غير الله . والجواب عن الثاني : أن ما ظنه الطاعنون اختلافا في القرآن ليس اختلافا في نفس الأمر ، لأن شرط الاختلاف والتناقض بين كل قضيتين ، أن يتفقا في الزمان ، والمكان ، والموضوع ، والشرط ، والجزاء ، والكل والقوة ، والفعل ، ونحو ذلك من شروط التقابل إن وجد ، وليس في القرآن قضيتان تقابلتا [ كذلك ] ( 1 ) ، بل لا بد من اختلافهما بزمان أو مكان أو غيره من الشروط .

--> ( 1 ) زيادة للسياق .